رأي خاص في تدوينة متداولة: الاستاذ عادل الحداد

الاستاذ عادل الحداد
L’image contient peut-être : 1 personne, debout, plein air et nature
الاستاذ عادل حداد

صادفتني هذه التدوينة أكثر من مرة في شبكة التواصل الاجتماعي، تدوينات شبيهة يتداولها جمهور واسع تتضمن نفس الدعوة:
“نطالب رئيس الجمهورية بتعديل دستور البلاد من خلال استفتاء شعبي يطالب بصلاحيات كبرى لرئيس الجمهوربة دون الرجوع الى البرلمان”.

– ترفع هذه التدوينة إلى السطح ذلك الحرج الدستوري الذي يعطي صلاحيات محدودة لرئيس جمهورية منتخب مباشرة من الشعب بالمقارنة مع صلاحيات رئيس الحكومة غير المنتخب والذي ينال شرعيته في الحكم بفضل الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية ومصادقة ثلثي أعضاء مجلس النواب: يكفي ان يصادق عليه 109 من النواب يتم تجميعهم بالمشاورات والوفاق والاتفاق ووالمقايضة والتلاعب والضغط والاستمالة والإغراء والإعارة والسياحة وأحيانا بالبيع والشراء… وتزداد هذه المفارقة حدة حين يكون الرئيس المنتخب مستقلا (كما الحال عندنا اليوم) محروما من كتلة نيابية قوية تسنده. يمكن أن تكون لهذه المفارقة مآلات تهدد استقرار البلاد خاصة حين تتوسع المسافة بين قرطاج والقصبة بتعارض الخيارات… وقد عاشت تونس هذا الوضع في الأشهر الأخيرة من حكم المرحوم الباجي قائد السبسي.
قد يكون مطلب الانسجام بين رأسي السلطة التنفيذية مطلبا مشروعا، من الناحية العملية خاصة ونحن نمر بمرحلة انتقالية وفي ظرف خف فيه حضور الدولة وتميعت أجهزتها نظرا للوهن الذي أصابها طيلة السنوات الفارطة. هذه الوضعية تضفي أولوية على الصراع السياسي تجعل مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية ومعالجة مشاكل الناس الحقيقية في مرتبة ثانوية ومؤجلة إلى موعد غير معلوم… فتتفاقم الأزمة العامة وتشتد… وقد رأينا في الحملة الانتخابية كيف سعى مرشحو الرئاسية إلى تأويل نص الأمن القومي بالتحيل عليه وتوسيع دلالته بما يسمح للسيد الرئيس بمساحة مناورة “يتسلل” عبرها إلى إدارة الشأن العام في كلياته وجزئياته. لذلك يجب تنسيب هذا المطلب والحكم له أو عليه بعيدا عن معايير طيبة النوايا وبراءتها.

– تؤشر هذه الدعوة على عودة مخزون التقليد السياسي الذي عشناه مع الرئيسين بورقيبة وبن علي والذي جعل قرطاج فضاء الاستقطاب المركزي لكل السلطات… إنه الحنين إلى عهد أكثر أمانا في مخيال الكثيرين، بقطع النظر عن الموقف من الرئيسين، لمواجهة التقلبات التي تشهدها بلادنا. إنها الرغبة في جعل يد الرئيس اليد العليا لا تكبلها الأيادي السفلى (معنى دون الرجوع إلى البرلمان)… وإذا كان الرئيس الأول قد اقتلع “شرعية” الحكم المطلق باعتباره “المجاهد الأكبر” و”قائد الجهادين”، وإذا كان الرئيس الثاني قد اقتلع “شرعية” حكمه المطلق من اعتباره “منقذا” و”قائدا للتغيير” ، فإن الرئيس الجديد، على ما يبدو، يجري الآن إكسابه “شرعية” حكمه المطلق من خلال “صدق سريرته” و”نظافة يده” و”ترفعه” و”استقلاليته” و”قيادته للثوار من الشباب والمضطهدين” و”عدد الناخبين”… لذلك قلت في تدوينة سابقة “مجتمع بصدد صناعة قديس”…. وفي هذا خطر “الرئيس الذي يفعل حال يريد” دون انتباه للسياقات الدولية والمحلية ودون اعتبار للتحديات والضغوطات ودون تقدير لآليات التنفيذ ودون التمييز الجدي بين الممكن والمستحيل. الحنين، في السياسة، لا يكون دوما وجيها حتى لو كان أصيلا.

– تشي هذه الدعوة بمنطق الغلبة الذي يقودها… فالفوز “الساحق” الذي حققه السيد قيس سعيد في الانتخابات الرئاسية، وبعيدا عن نوايا السيد الرئيس، ولّد انطباعا لدى “مناصريه” أنه حان لهم زمن التحكم الكامل في دواليب الدولة وإخضاع المجتمع لإرادتهم الغالبة تحت عنوان “الشعب يريد”… وما يسهو عنه هؤلاء هو أن الديمقراطيات الأصيلة لا تبنى بمنطق “الغلبة” وأن الأصل في الديمقراطية ضمانها لحق الأقلية وأن للديمقراطية التمثيلية حدودا تعمل الديمقراطية التشاركية على توسيعها وتداركها…

أخشى أن تنزاح هذه الدعوة بالمسار الديمقراطي عن مساره وبدل تمتين الديمقراطية في بلادنا ننتهي إلى الزيادة في هشاشتها. قد تكون هذه الدعوة غريبة عن “حالة الوعي” التي نعيشها.

0Shares